قال ابن الأنباري: الجناح للإنسان مشبَّه بالجناح للطائر ، ففي حال تُشبَِّه العربُ رِجْلي الإِنسان بجناحَي الطائر ، فيقولون: قد مضى فلان طائراً في جناحيه ، يعنون ساعياً على قدميه ، وفي حال يجعلون العضد منه بمنزلة جناحي الطائر ، كقوله: {واضمُمْ يدك إِلى جناحك} ، وفي حال يجعلون العصا بمنزلة الجناح ، لأن الإِنسان يدفع بها عن نفسه كدفع الطائر عن نفسه بجناحه ، كقوله: {واضمُمْ إِليك جناحك مِنْ الرَّهْب} ، وإِنما يوقع الجناح على هذه الأشياء تشبيهاً واستعارة ، كما يقال: قد قُصَّ جناح الإِنسان ، وقد قُطعت يده ورجله: إِذا وقعت به جائحة أبطلت تصرُّفه ؛ ويقول الرجل للرجل: أنت يدي ورِجْلي ، أي: أنت مَنْ به أُصِلُ إِلى محابِّي ، قال جرير:
سَأَشْكُرُ أَنْ رَدَدْتَ إِليَّ رِيشي ...
وأَنْبَتَّ القَوادمَ في جَناحِي
وقالت امرأة من العرب ترثي زوجها الأغرّ:
يا عِصمتي في النَّائبات ويا ...
رُكْني [الأغرّ] ويا يَدي اليمنى
لا صُنْتُ وجهاً كنتُ صَائنه ...
أبداً ووجهك في الثرى يَبْلى
فأمَّا الرَّهَب ، فقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو: {مِنَ الرَّهَب} بفتح الراء والهاء.
وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم: {من الرُّهْب} بضم الراء وسكون الهاء.
وقرأ حفص [وأبان] عن عاصم: {من الرَّهْب} بفتح الراء وسكون الهاء [وهي قراءة ابن مسعود ، وابن السميفع] .
وقرأ أُبيّ بن كعب ، والحسن ، وقتادة ، بضم الراء والهاء.
قال الزجاج: الرُّهْب ، والرَّهَب بمعنى واحد ، مثل الرُّشْد ، والرَّشَد.
وقال أبو عبيدة: الرُّهْب والرَّهْبة بمعنى الخوف والفَرَق.
وقال ابن الأنباري: الرَّهْبُ ، والرُّهُب ، والرَّهَب ، مثل الشَّغْل ، والشُّغْل ، والشَّغَل ، والبَخْل ، والبُخُل ، والبَخَل ، وتلك لغات ترجع إلى معنى الخوف والفَرَق.
وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال.