ولما كان آخر الكلام دالاً دلالة واضحة على أن المنادي هو الله سبحانه ، بنى للمفعول قوله دالاًّ على ما في أول الأمر من الخفاء: {نودي} ولما كان نداؤه سبحانه لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب ، وكان مع ذلك قد يكون لبعض المواضع مزيد تشريف بوصف من الأوصاف ، إما بأن يكون أول السماع منه أو غير ذلك أو يكون باعتبار كون موسى عليه الصلاة والسلام فيه قال: {من} أي كائناً موسى عليه السلام بالقرب من {شاطئ} أي جانب {الواد} عن يمين موسى عليه الصلاة والسلام ، ولذلك قال: {الأيمن} وهو صفة للشاطئ الكائن أو كائناً {في البقعة المباركة} كائناً أول أو معظم النداء أو كائناً موسى عليه الصلاة والسلام قريباً {من الشجرة} كما تقول: ناديت فلاناً من بيته ، ولعل الشجرة كانت كبيرة ، فلما وصل إليها دخل النور من طرفها إلى وسطها ، فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع - وهو فيها - الكلام من الله تعالى حقيقة ، وهو المتكلم سبحانه لا الشجرة ، قال القشيري: ومحصل الإجماع أنه عليه الصلاة والسلام سمع تلك الليلة كلام الله ، ولو كان ذلك نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة ، وقال التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة ، بلا كم ولا كيف ، وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى الكعبة المشرفة ، والشجرة قال البغوي: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كانت سمرة خضراء تبرق ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت عوسجة ، وقال وهب: من العليق ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: إنها العناب.
ثم ذكر المنادي بقوله: {أن يا موسى} وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال: {إني أنا الله} أي المستجمع للأسماء الحسنى ، والصفات العلى.