وقال بعضهم: فما فوقها، يعني في الصغر، يريد فما هو أصغر منها، لأنه يقال: فلان فوق فلان في الحقارة والدناءة. واختار قوم هذا، لأن الغرض المطلوب هاهنا الصغر.
فإن قيل: إذا كانت البعوضة هي النهاية في الصغر، فلا معنى في (فما فوقها) في الصغر، قيل: ليس الأمر على ما قلتم، لأن ما دون
البعوضة في الصغر متوهم معقول، وإن لم ير، كما قال: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) } [الصافات: 65] [الصافات: 65] فالمشبه به معقول وإن لم ير، وكما قال الشاعر:
وَمَسْنُونةٌ زُرْقٌ كَأنْيَابِ أغْوَالِ
ولم ير ناب الغول. ويؤكد هذا التأويل قول أبي عبيدة في هذه الآية وهو أنه قال: (فما فوقها) يعني: فما دونها. و (فوق) من الأضداد، لأنه لا فوق إلا ويصلح أن يكون دون، لأن من فوقك يصلح أن يكون دون غيرك فذلك فوق من وجه ودون من وجه. وإذا كان (فوق) بمعنى
(دون) كان المعنى (فما دونها) أي: ما هو أصغر منها.
وقد استشهد على استحسان ضرب المثل بالحقير [في] كلام العرب بقول الفرزدق:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبوُتُ بِنَسْجِهَا ... وَقَضَى عَلَيْكَ بِهِ الكِتَابُ المُنْزَلُ
وبقوله أيضاً:
وَهَل شَيءٌ يَكُوُن أذَل بَيتَاً ... مِنَ اليَرْبُوعِ يَحْتَفِرُ التُّرَابَا
وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ} . مدحهم الله بعلمهم أن المثل وقع في حقه وذم الكافرين بإعراضهم عن طريق الاستدلال وإنكارهم ما هو صواب وحكمة.
وقوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} . قال أبو إسحاق: (ماذا) يجوز أن يكون (ما) و (ذا) اسماً واحداً، ويكون موضعها نصباً، المعنى:
أي شيء أراد الله بهذا مثلًا؟ ويجوز أن يكون (ذا) مع (ما) بمنزلة (الذي) فيكون المعنى: ما الذي أراده الله بهذا مثلا؟ فيكون (ما) رفعاً بالابتداء و (ذا) في معنى الذي وهو خبر الابتداء، انتهى كلامه.