ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه مالك هذه البلدة. أخبر أنه يملك كل شيء فقال: {وَلَهُ} ؛ أي: ولرب هذه البلدة خاصة {كُلُّ شَيْءٍ} خلقًا وملكًا وتصرفًا، دون أن يشركه في ذلك أحد؛ أي: جميع الأشياء داخلة في ربوبيته، فشرفت البلدة بذكر اندراجها تحت ربوبيته على جهة الخصوص، وعلى جهة العموم، وفيه تنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة للتفخيم مع عموم الربوبية لجميع الموجودات.
{وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ؛ أي: وأمرني ربي أن أسلم وجهي له، فأكون من الموحدين المخلصين له، المنقادين لأمره، المستسلمين بطاعته بامتثال أمره، واجتناب نهيه، والمراد بقوله: {أَنْ أَكُونَ} أن أثبُتَ على ما أنا عليه.
92 - {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} ؛ أي: وأمرت أن أداوم على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وأواظب على ذلك، لتنكشف لي أسراره المخزونة في تضاعيفه، واسطلع أدلة الكون المتفرقة في آيه، فأعرف حقائق الحياة، وسر الوجود، ويفاض عليَّ من فيوضاته الإلهية، وأسراره القدسية، ما شاء الله أن يُفيض.
وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قام ليلة يصلي فقرأ قوله تعالى: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} فما زال يكررها، ويظهر له من أسرارها ما يظهر، ويتجلى له من مقاصدها ما تسمو به نفسه إلى الملأ الأعلى حتى طلع الفجر. ونحو الآية: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) } .
قال أبو حيان: قوله: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} إما من التلاوة؛ أي: وأن أتلو عليكم القرآن، وهذا هو الظاهر، إذ بعده التقسيم المناسب للتلاوة، وإما من التلو، وهو الاتباع؛ أي: وأن أتبع القرآن، كقوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} .