وربما أن المخاطبين إذ ذاك لم يكونوا يدركون من قوله تعالى: {أم من جعل الأرض قراراً؟} كل هذه العجائب. ولكنهم كانوا يرون الأرض مستقراً صالحاً للحياة على وجه الإجمال ؛ ولا يملكون أن يدعوا أن أحداً من آلهتهم كان له شريك في خلق الأرض على هذا المنوال. وهذا يكفي. ثم يبقى النص بعد ذلك مفتوحاً للأجيال ؛ وكلما اتسع علم البشر أدركوا شيئاً من معناه الضخم المتجدد على توالي الأجيال. وتلك معجزة القرآن في خطابه لجميع العقول ، على توالي الأزمان!
{أم من جعل الأرض قراراً. وجعل خلالها أنهاراً؟} ..
والأنهار في الأرض هي شرايين الحياة ، وهي تنتشر فيها إلى الشرق وإلى الغرب ، وإلى الشمال وإلى الجنوب ، تحمل معها الخصب والحياة والنماء. والأنهار تتكون من تجمع مياه الأمطار وجريانها وفق طبيعة الأرض. والله الذي خلق هذا الكون هو الذي قدر في تصميمه إمكان تكون السحب ، ونزول المطر ، وجريان الأنهار. وما يملك أحد أن يقول: إن أحداً سوى الخالق المدبر قد شارك في خلق هذا الكون على هذا النحو ؛ وجريان الأنهار حقيقة واقعة يراها المشركون. فمن ذا أوجد هذه الحقيقة؟ {أإله مع الله؟} .
{وجعل لها رواسي} ..
والرواسي: الجبال. وهي ثابتة مستقرة على الأرض. وهي في الغالب منابع الأنهار ، حيث تجري منها مياه الأمطار إلى الوديان ؛ وتشق مجراها بسبب تدفقها من قمم الجبال العالية بعنف وقوة.
والرواسي الثابتة تقابل الأنهار الجارية في المشهد الكوني الذي يعرضه القرآن هنا والتقابل التصويري ملحوظ في التعبير القرآني. وهذا واحد منه. لذلك يذكر الرواسي بعد الأنهار.
{وجعل بين البحرين حاجزاً} ..