ولكن هاتين الحقيقتين الثابتتين لا تمنعان أن تقع الخارقة عندما يريدها الله خالق السنن والنواميس. وقد تكون الخارقة ذاتها جزءاً من الناموس العام، الذي لا نعرف أطرافه. جزءاً يظهر في موعده الذي لا يعلمه إلا الله، يخرق المألوف المعهود للبشر، ويكمل ناموس الله في الخلق والتناسق العام. وهكذا وجد هدهد سليمان، وربما كل الطائفة من الطير التي سخرت له في ذلك الزمان.
ونعود من هذا الاستطراد إلى تفصيل قصة سليمان بعد وراثته لداود وإعلانه ما حباه الله به من علم وتمكين وإفضال {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون} ..
فهذا هو موكب سليمان محشود محشور. يتألف من الجن والإنس والطير. والإنس معروفون، أما الجن فهم خلق لا نعرف عنهم إلا ما قصه الله علينا من أمرهم في القرآن. وهو أنه خلقهم من مارج من نار. أي من لهيب متموج من النار. وأنهم يرون البشر والبشر لا يرونهم {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم} (الكلام عن إبليس أو الشيطان وإبليس من الجن) وأنهم قادرون على الوسوسة في صدور الناس بالشر عادة والإيحاء لهم بالمعصية ولا ندري كيف وأن منهم طائفة آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرهم هو أو يعرف منهم إيمانهم ولكن أخبره الله بذلك إخباراً: {قل: أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا: إنا سمعنا قرآناً عجباً، يهدي إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحداً ..} ونعرف أن الله سخر طائفة منهم لسليمان يبنون له المحاريب والتماثيل والجفان الكبيرة للطعام، ويغوصون له في البحر، ويأتمرون بأمره بإذن الله.
ومنهم هؤلاء الذين يظهرون هنا في موكبه مع إخوانهم من الإنس والطير.