{ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} وسر الحياة كان وما يزال مستغلقاً على الناس. سواء أكان في النبات أم في الحيوان أم في الإنسان. فما يملك أحد حتى اللحظة أن يقول: كيف جاءت هذه الحياة ، ولا كيف تلبست بتلك الخلائق من نبات أو حيوان أو إنسان. ولا بد من الرجوع فيها إلى مصدر وراء هذا الكون المنظور.
وعندما يصل في هذه الوقفة أمام الحياة النامية في الحدائق البهيجة إلى إِثارة التطلع والانتباه وتحريك التأمل والتفكير ، يهجم عليهم بسؤال:
{أَإِله مع الله؟} ..
ولا مجال لمثل هذا الادعاء ؛ ولا مفر من الإقرار والإذعان.. وعندئذ يبدو موقف القوم عجيباً ، وهم يسوون آلهتهم المدعاة بالله ، فيعبدونها عبادة الله: {بل هم قوم يعدلون} ..
ويعدلون. إما أن يكون معناها يسوون. أي يسوون آلهتهم بالله في العبادة. وإما أن يكون معناها: يحيدون. أي يحيدون عن الحق الواضح المبين. بإشراك أحد مع الله في العبادة ؛ وهو وحده الخالق الذي لم يشاركه أحد في الخلق. وكلا الأمرين تصرف عجيب لا يليق!
ثم ينتقل بهم إلى حقيقة كونية أخرى ، يواجههم بها كما واجههم بحقيقة الخلق الأولى:
{أم من جعل الأرض قراراً ، وجعل خلالها أنهاراً ، وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً؟} ..
لقد كانت الحقيقة الكونية الأولى هي حقيقة خلق السماوات والأرض. أما هذه فهي الهيئة التي خلق عليها الأرض. لقد جعلها قراراً للحياة ، مستقرة مطمئنة صالحة يمكن أن توجد فيها الحياة وتنمو وتتكاثر. ولو تغير وضعها من الشمس والقمر ؛ أو تغير شكلها ، أو تغير حجمها ، أو تغيرت عناصرها والعناصر المحيطة في الجو بها ، أو تغيرت سرعة دورتها حول نفسها ، أو سرعة دورتها حول الشمس ، أو سرعة دورة القمر حولها.. إلى آخر هذه الملابسات الكثيرة التي لا يمكن أن تتم مصادفة ، وأن تتناسق كلها هذا التناسق.. لو تغير شيء من هذا كله أدنى تغيير ، لما كانت الأرض قراراً صالحاً للحياة.