المقدمة الثانية: فِي بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافياً فِي جزم الذهن بذلك التصديق أولاً يكون كافياً فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائراً مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفياً وإثباتاً وما كان كذلك لم يكن مقدوراً ، وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهياً بل متوقفاً فيه.
المقدمة الثالثة: فِي بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضاً غير مقدورة.
وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات ، فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة فِي تلك النظريات علوماً ، بل لا تكون إلا اعتقاداً حاصلاً للمقلد وليس كلامنا فيه ، فثبت أن كلامكم فِي عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها.
ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر فِي تحريك الدواعي أو ليس لها أثر فِي ذلك ؟ فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين ، الأول: أنا قد دللنا فِي تفسير قوله: {خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ} [البقرة: 7] على أنه متى حصل الرجحان فلا بدّ وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة ، فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات فِي الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذٍ جاء الجبر وبطل ما قلتموه.