وثالثها: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان فِي نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى فِي الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير، واحتج الأولون بوجهين: الأول: بأن لفظ"فوق"يدل على العلو، فإذا قيل هذا فوق ذاك، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن رجلاً مدح علياً رضي الله عنه والرجل متهم فيه، فقال علي: أنا دون ما تقول وفوق ما فِي نفسك، أراد بهذا أعلى مما فِي نفسك.
الثاني: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية فِي الصغر؟
والجواب عن الأول: أن كل شيء كان ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها فِي شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف فِي تلك الصفة يقال إن فلاناً فوق فلان فِي اللؤم والدناءة.
أي هو أكثر لؤماً ودناءة منه، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك فِي الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه، والجواب عن الثاني أن جناح البعوضة أقل منها وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 125}
{فَمَا فَوْقَهَا} الفاء عاطفة ترتيبية، و {مَا} عطف على {بَعُوضَةً} أو {مَا} إن جعل اسماً والتفصيل وما فيه غير خفي.
والمراد بالفوقية إما الزيادة فِي حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وبه قال ابن عباس أو الزيادة فِي المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر، وهذان الوجهان على القراءة المشهورة وأما على قراءة الرفع فقد قالوا: إن جعلت {مَا} موصولة ففيه الوجهان، وإن جعلت استفهامية تعين الأول لأن العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك، وقيل: أراد: ما فوقها وما دونها فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر على حد {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 1 8] فافهم. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 207}