(( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب(1) هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء )) (2) .
المشهد هو مريم منقطعة للعبادة فِي المحراب، وزكريا لا يفتأ يدخل عليها يتفقد أحوالها، فهو كفيلها المسئول عن تربيتها ورعايتها، فيجد عندها رزقا متجددا فيسألها: من أين لها هذا وهي لا تبارح المكان ولا تسعى على الرزق، فتجيبه فِي براءة وبساطة: (( هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ) ). فتجيش نفس زكريا بمشاعر هائلة، وهو يرى الفيض الإلهى يفيض على مريم، وهي الطفلة التي لا حول لها ولا طول. فيشتاق.. يشتاق إلى الذرية، ولم يكن قد رزق بالولد بعد، ويشتاق إلى أن يفيض الله عليه من نعمائه كما أفاض على هذه الطفلة الصغيرة التي كلفه الله برعايتها.. (( هنالك ) )دعا زكريا ربه0.
(( هنالك ) ).. ما دلالة اللام فِي هنالك؟!
إن اللغويين والبلاغيين يقولون إنها تعبر عن البعد. فالشيء يشار له بكلمة (( هنا ) )إذا كان حاضرا قريبا تدركه العين أو اليد لقربه. ويشار إليه بكلمة (( هناك ) )إذا كان بعيداً عن متناول اليد.. ثم إذا اشتد بعده يشار إليه بكلمة (( هنالك ) )بزيادة اللام لتعطى مزيدا من البعد 0.
فأين البعد هنا ؟
هذا هو المحراب، وهذه هي مريم، كلاهما حاضر قريب. وهذا هو زكريا معها فِي نفس المكان00... لا بعد فِي المكان، ولا بعد فِي الزمان.
إنما البعد فِي أغوار النفس !
(( هنالك ) )فِي أعماق نفس زكريا تحرك الشوق.. الشوق إلى الذرية. والشوق إلى الفيض الإلهى الذي يفيض بالخير، وبالرحمة وبالعطاء، وبالرضوان..
هل تحس مدى العمق فِي المشهد .. العمق الواغل فِي أعماق النفس؟
إنه الإعجاز 0.
* * *... يقول تعالى فِي سورة فاطر:
(1) سورة البقرة: 127 - 129 .
(2) سورة آل عمران: 37 ، 38 0