... ولكن ظاهرة التنويع - على تعدد مجالاتها فِي القرآن الكريم - ليست وحدها التي تحمل الإعجاز البيانى فيه. فللإعجاز البيانى فِي القرآن تجليات كثيرة فِي مجالات كثيرة، ليس من الضرورى أن تكون ظاهرة عامة فِي كل مرة، فقد تكون فِي آية، وقد تكون فِي حرف من آية، كما سنضرب الأمثلة من أماكن متفرقة من كتاب الله الكريم، لمجرد التوضيح لا على سبيل الحصر.. فالأمر يفوق الحصر!... فِي دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فِي سورة البقرة، وردت هذه الآيات:... (( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم(127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وارنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (128) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم )).... لاحظ نغمة المد فِي هذه الكلمات بما يناسب جو الدعاء (منا إنك) (( ومن ذريتنا أمة ) ) (( وتب علينا إنك 00) .... ثم لاحظ تغير النغمة بما يوحى بانتهاء الدعاء: (( ويزكيهم إنك 00 ) ).... إن حركات المد فِي العبارات الأولى تشعرك بالاستغراق فِي الدعاء، والرغبة فِي التعبير عن مشاعر عميقة تملأ قلبيهما وهما يتوجهان هذا التوجه الخاشع بين يدي الله وهما يقيمان قواعد البيت، بينما الياء فِي كلمة (ويزكيهم) توحى بأن الدعاء قد وصل إلى غايته، وأنه يوشك أن ينتهى، بعد أن بثا مشاعرهما لله العلى العظيم. وحين تصور الكلمات - وهي مجرد كلمات - مشهداً كاملاً جياشا على هذا النحو، وتعطى صورة الأكف المرفوعة بالضراعة، ثم حركة الأكف وقد أوشكت أن تفرغ من الدعاء هابطة إلى أسفل.. يكون هذا من الإعجاز.
* * *... فِي سورة آل عمران ترد هذه الآيات: