كنا حتى الآن نتحدث عن ظاهرة واحدة من ظواهر الإعجاز البيانى فِي القرآن الكريم، هي ظاهرة التنويع، وذلك فِي مجالات رئيسة ثلاثة: قصص الأنبياء مع أقوامه، ومشاهد القيامة، وآيات الله فِي الكون. ولكن الظاهرة لا تنحصر - كما ألمحنا فِي أول الكلام - فِي هذه المجالات الثلاثة، فهي ظاهرة عامة فِي القرآن كله، وفى كل موضوعاته، ضربنا لها مثلا فِي قوله تعالى فِي (سورة البقرة:25) (( يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) ). وقوله تعالى فِي (سورة إبراهيم:6) (( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) )، والأمثلة كثيرة فِي القرآن الكريم تلفت انتباه كل قارئ يقرأ بوعى، سواء أدرك الحكمة فيها أم لم يدركها، كقوله تعالى: (( وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى ) ) (1) وقوله تعالى: (( وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى ) ) (2) ، فالتركيز فِي الأولى على المجيء من أقصى المدينة، بما يوحى بأهمية الأمر الذي حفز الرجل على قطع تلك المسافة الكبيرة، والتركيز فِي الثانية على الرجل ذاته، بما يوحى باهتمامه الخاص بالأمر، وأنه حريص على سلامة موسى عليه السلام (والراجح أنه هو الرجل المؤمن من آل فرعون الذي ناصر موسى فيما بعد فِي مواجهة فرعون) . وقوله تعالى عن اليهود (( يحرفون الكلم عن مواضعه) (3) وقوله عنهم (( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) ) (4) . ففى الأولى يشير إلى تحريفهم لكلام الله، وما فِي ذلك من لؤم والتواء، وفى الثانية يشير إلى تجرؤهم على الله سبحانه وتعالى بأن يقرر الأمر فيقرروا غيره من بعد تقرير الله له، وما فِي ذلك من توقح وتمرد على رب العالمين. وفى مثل تلك المواضع يكون للتنويع دلالة خاصة تضاف إلى مجرد التنويع، الذي هو فِي ذاته هدف مقصود.
وذلك من الإعجاز 0.
(1) سورة يس: 20 .
(2) سورة القصص: 20 .
(3) سورة المائدة: 13 .
(4) سورة المائدة: 41 0