والمعنى: أي وحسبك بالحي الذي لا يموت حالة كونه خبيرًا بذنوب خلقه ما ظهر منها وما بطن، فهو لايخفى عليه شيء منها، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فلا عليك إن آمنوا أو كفروا، وفي هذا تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ووعيد لأولئك الكافرين على سوء أفعالهم وإعراضهم عن اتباع رسوله ومناصبته العداء، وكأنه قيل: إذا أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة، وفي"الأخبار": كفى بك ظفرًا أن يكون عدوك عاصيًا. وهي كلمة يراد بها المبالغة، تقول: كفى بالعلم جمالًا، وكفى بالأدب مالًا؛ أي: هو حسبك لا تحتاج معه إلى غيره؛ لأنه خبير بأحوالهم، قادر على مكافأتهم.
59 -ولما أمره بالتوكل والتسبيح، وذكر صفة الحياة الدائمة .. ذكر ما دل على القدرة التامة؛ وهو إيجاد هذا العالم، فقال: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} محل الموصول الجر على أنه صفة ثانية لـ {الْحَيِّ} ، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقًا بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج. ذكره"البيضاوي"؛ أي: وتوكل على الحي الذي أوجد السماوات والأرض على غير مثال سابق {وَمَا بَيْنَهُمَا} ؛ أي: وأوجد ما بينهما من الأركان والمواليد. وقال: {بَيْنَهُمَا} ، ولم يقل: بينهن؛ لأنه أراد النوعين كما قال القطامي:
أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ جِبَالَ قَيْسٍ ... وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا
{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} ؛ أي: في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا؛ لأنه لم يكن ثمة شمس ولا قمر، فخلق الأرض في يومي الأحد والاثنين، وما بينهما في يومي الثلاثاء والأربعاء، والسماوات في يومي الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة، وذلك مع قدرته على خلقهن في أسرع لمحة؛ ليعلم العباد أن التأني مستحب في الأمور.