والحمل على المعنى الحقيقي أولى ، فالمعنى: لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ، ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة} أي: هلا أنزلوا علينا ، فيخبرونا أن محمداً صادق ، أو هلا أنزلوا علينا رسلاً يرسلهم الله {أَوْ نرى رَبَّنَا} عياناً ، فيخبرنا بأن محمداً رسول ، ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم هذه ، فقال {لَقَدِ استكبروا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} أي: أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله: {إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم ببالغيه} [غافر: 56] ، والعتوّ مجاوزة الحد في الطغيان ، والبلوغ إلى أقصى غاياته ، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم ، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم ، بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ، ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان ، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغاً هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله ، أو تعدّ من المستعدّين له ، وهكذا من جهل قدر نفسه ، ولم يقف عند حدّه ، ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى.
وانتصاب {يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة} بفعل محذوف أي: واذكر يوم يرون الملائكة رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه ، والصورة التي اقترحوها ، بل على وجه آخر ، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت ، أو عند الحشر ، ويجوز أن يكون انتصاب هذا الظرف بما يدلّ عليه قوله {لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ} أي: يمنعون البشرى يوم يرون ، أو لا توجد لهم بشرى فيه ، فاعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة ، وهو وقت الموت ، أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى.