وقرأ عليّ وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشدّدة ، وهي بمعنى القراءة الأولى ، قال الشاعر:
أمشي بأعطان المياه وأتقي... قلائص منها صعبة وركوب
وقال كعب بن زهير:
منه تظل سباع الحيّ ضامزة... ولا تمشي بواديه الأراجيل
{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} هذا الخطاب عامّ للناس ، وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغنيّ فتنة للفقير ، وقيل: المراد بالبعض الأوّل: كفار الأمم ، وبالبعض الثاني: الرسل.
ومعنى الفتنة: الابتلاء والمحنة.
والأوّل أولى ، فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به ؛ فالمريض يقول: لم لم أجعل كالصحيح؟ وكذا كل صاحب آفة ، والصحيح مبتلى بالمريض ، فلا يضجر منه ، ولا يحقره ، والغني مبتلى بالفقير يواسيه ، والفقير مبتلى بالغنيّ يحسده.
ونحو هذا مثله ، وقيل: المراد بالآية: أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم ، ورأى الوضيع قد أسلم قبله أنف ، وقال: لا أسلم بعده ، فيكون له علي السابقة والفضل ، فيقيم على كفره ، فذلك افتتان بعضهم لبعض ، واختار هذا الفراء ، والزجاج.
ولا وجه لقصر الآية على هذا ، فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض للبعض فتنة: {أَتَصْبِرُونَ} هذا الاستفهام للتقرير ، وفي الكلام حذف تقديره ، أم لا تصبرون؟ أي: أتصبرون على ما ترون من هذه الحال الشديدة ، والابتلاء العظيم.
قيل: موقع هذه الجملة الاستفهامية ها هنا موقع قوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} في قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2] ، ثم وعد الصابرين بقوله: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي: بكل من يصبر ومن لا يصبر ، فيجازي كلاً منهما بما يستحقه.