ولقد بدا ذلك على أكمله يوم أن بلغ رشده ، , واستطاع أن يخرج من محبس فرعون فِي النعم ، ويلاقي الحياة التي يلاقيها قومه ، ولقد قص الله - سبحانه وتعالى - قصصه بعد أن بلغ رشده ، وصار رجلًا سويًّا ، فِي أسلوب ينُمُّ على الرغبة فِي الجهاد وتحمل شدائد الحياة ، فيقول سبحانه فِي أحسن قصص مصور: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} [القصص: 14 ، 15] .
خرج موسى من المحبس ، ودخل المدينة ، وأهلها لا يتوقعون أن يخرج رجل فِي ظل القصر ، إلى حيث الشعب ، ينازل من ينازل ويسالم من يسالم ، إلى حيث الحياة اللاغبة العاملة ، فكان ذلك مفاجأة ، عبر عنها القرآن بقوله: {عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} ، وخرج ونفسه مملوءة غيظًا على الذين كانوا أداة فِي يد فرعون يسوم بهم الناس عذابًا ، فوجد مصريًّا يقتل واحدًا من شيعته ، فسارع إليه دفاعًا عن اليهودي المعتدى عليه ، فاندفع فقتل المصري.
ولكنه قد استرجع ضميره الذي كان فِي غفوة بسبب العداوة المستحكمة بين العنصرين ، وبسبب ما رأى من فرعون ومن معه من جند وأشياع ، وأهل مصر صامتون كدأبهم عندما يرون ظلمًا عنيفًا صارخًا يقفون كالنظارة ، لا يتحركون لظلم واقع ، ولا لهم مستحكم مانع.