إن القصة ترينا صورة أم مضطربة منزعجة خائفة لما أثقلت ألقت حملها ، فإذا أثقال جديدة ، إنما تريد نجاته ، فيعلوها الاضطراب والخوف والفزع ، وإذ الإلهام يجيئها بإلقاه باليم مع إثلاج قلبها بألَّا تخاف وألَّا تحزن ، ومَنَّ الله تعالى عليها بالاطمئنان بأنه سيعود إليهًا ، وهكذا يكون الاطمئنان فِي موطن الخوف ، والقرار فِي موطن الاضطراب ، والسكون فِي موطن الهلع ، يغيب عنها فلذة كبدها فيفرغ قلبها ، ويغلب الفزع على الاطمئنان وهي تغالب حال الفزع بحال الاطمئنان إلى أن وعد الله تعالى بالاطمئنان ، ويصطرع الأمران فِي نفسها ، يغلب الإلهام فتطمئن ، ويغلب الفزع القلبي
فتكاد تبدي أمرها وتظهر سرَّها ، ولو علم به أعداؤه وأعداؤها أعداء الله تعالى ؛ ولكنَّ الله تعالى يربط على قلبها بالصبر وهي تصبر ، ولكنها لا تسكن بل تتحرك بعمل ، فترسل أخته لتتقصى أخباره ، وتتعرَّف أحواله ، فترى المعجزة الكبرى ؛ إذ يمتنع عن المراضع ، حتى يعود إلى أمه وتأخذه أخته إلى الأم التي تضطرب بين اليأس والرجاء ، بين الأمل الباسم والحرمان الدائم.
اقرأ النص القرآني ، وتراه مصورًا لحال تلك الأم الرءوم ، فهل تجد مصورًا متحركًا أو واقفًا يستطيع تصوير هذه الحال ، ولكنه القصص القرآني المصور الذي نزل من عند الله تعالى.
89 -ولنعد إلى قصة موسى وقد تربَّى فِي قصر فرعون ، حيث الترف والبطر ، وفي جو الغطرسة والسلطان ومن يدَّعي لنفسه الألوهية ، فهل شعر موسى بما يشعر به المترفون المسرفون الذين يستعبدون الناس ، ولكنه فِي الوقت ذاته كان يعيش فِي أحضان قومه ، حيث كان على كثب ممن يقتل فرعون أبناءهم ويستحي نساءهم ، فهو البعيد عنهم بحسه القريب منهم بنفسه ، يعيش معهم وإن جفاهم فِي المسكن والإقامة ، ولذلك كان القريب فِي قصر فرعون المستأنس بمن يئويهم فرعون ، فيعيش معهم.