ومع هذا النعم المتوالية والآيات البينات الباهرة يأمرهم الله تعالى بالطاعات ، ويأخذ عليهم الميثاق بأن يرفع عليهم الطور حتى يصير كأنَّه فوقهم تأكيدًا للميثاق بالآية التي اقترنت به ، ومع ذلك لا يطيعون عامدين ؛ إذ يتولَّوْن معرضين عن ذلك البيان الموثق ؛ لأنهم قد طبعوا على الجحود ، وكانوا مضرب المثل فيه ، وإذا كانت الآيات قد تضافرت بالبيان عليهم ، فإنَّ الله تعالى جعل فيهم ومنهم آية بينة تدل على أن الجحود لا ينشأ عن نقص الدليل ، بل يكون مع تضافر البينات ، فتزيدهم الآيات كفرًا وعنادًا.
وإنَّ الله تعالى يأمرهم بيوم السبت لكي يكون لهم راحة واستجمامًا ، وأن يبتعدوا فيه عن المادَّة ويعكفوا على أنفسهم يهذّبونها ويفطمونها عن دواعي المادة ، فيذهب شرّهم المادي ورغبتهم فِي طلب المادة إلى أن يعملوا فيه شرهًا وطعمًا ، فيمسخ الله تعالى نفوسهم قردة تنزو مثلها ، وخنازير تطلب الخسائس طلبها.
"إنَّ الله تعالى يختبرهم فِي إيمانهم بأن يذبحوا بقرة ، ولكنَّهم تأثرًا بالمصريين وما كانوا عليه من عبادة العجل ، يتردَّدون فِي ذبح البقرة ، فيجادلون فِي ذبحها متجاهلين أمرها ، ، ولو أتوا إلى أيّ بقرة فذبحوها لكان فِي ذلك الاستجابة الكاملة ، ولكنهم يثيرون الريب حول الطلب ، سألوا عن حقيقتها ، وعن كونها صغيرة أو كبيرة ، فأجيبوا ، ثم سألوا عن لونها فأجيبوا ، ثم سألوا عن كونها متخذة معلوفة للنماء والتوالد ، أم هي ذلول عاملة ، فذبحوها وما كادوا يفعلون تقليدًا للمصريين وتأثرًا فأفكارهم ، وأوهامهم فِي دينهم".
هذه قصة بني إسرائيل فِي تلقيهم لأوامر الله تعالى ، وما جاء القرآن خاصًّا بهم فِي عهد موسى - عليه الصلاة والسلام - فهو لمقاصد أخرى من أجزاء القصة كما ذكرنا فِي قصة موسى ذاته.