وروي عن ابن عباس أنه قال: لما قال الله تعالى: {اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} ، فإنما بقت أفواههم وانكسرت ألسنتهم ، فمن الأجواف يعوون عواء الكلب ؛ ويقال: {اخسئوا} أي تباعدوا تباعد سخط.
يقال: خسأت الكلب ، إذا زجرته ليتباعد.
ثم بيّن لهم السبب الذي استحقوا تلك العقوبة به ، فقال: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ} وهم المؤمنون: {رَبَّنَا ءامَنَّا} ، أي صدقنا ، {فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين} .
قوله عز وجل: {فاتخذتموهم سِخْرِيّاً} ، يعني: هزواً ، {حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى} ؛ يعني: أنساكم الهزء بهم العمل بطاعتي ، {وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} في الدنيا.
قرأ عاصم ، وابن عامر ، وابن كثير ، وأبو عمرو {سِخْرِيّاً} بكسر السين ، وكذلك في سورة ص ، وكانوا يقرؤون في الزخرف بالرفع ، قالوا: لأن في هذين الموضعين من الاستهزاء.
وهناك في الزخرف من السخرة والعبودية ، فما كان من الاستهزاء فهو بالكسر ، وما كان من التسخير فهو بالضم.
وقرأ حمزة والكسائي ونافع {سِخْرِيّاً} كل ذلك بالضم ؛ وقال أبو عبيد: هكذا نقرأ ، لأنهن يرجعن إلى معنى واحد ، وهما لغتان سِخْرِيٌّ وسُخْرِيّ ؛ وذكر عن الخليل ، وعن سيبويه أن كليهما واحد.
قوله عز وجل: {إِنِى جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صَبَرُواْ} ، يعني: جعلت جزاءهم الجنة وهم المؤمنون بما صبروا ، يعني: بصبرهم على الأذى وعلى أمر الله تعالى.
{أَنَّهُمْ هُمُ الفائزون} ، يعني: الناجون.
قرأ حمزة والكسائي {أَنَّهُمْ} بكسر الألف على معنى الابتداء ، والمعنى إني جزيتهم.
ثم أخبر فقال: إنهم هم الفائزون ، وقال أبو عبيد ، وقرأ الباقون {أَنَّهُمْ} بالنصب أَنِّي جزيتهم لأنهم هم الفائزون ؛ وقال أبو عبيد: الكسر أحب إليَّ على ابتداء المدح من الله تعالى.