وبقوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] يشير إلى أن الذاكر لله إذا استولى عليه سلطان الذكر تتنور أجزاء وجوده بنور الذكر فيتجوهر قلبه وروحه بجوهر الذكر، فربما ينعكس نور الذكر من مرآة القلب إلى ما يحاذيها من الجمادات والحيوانات، فتنطق بالذكر معه أجزاء وجوده، وتارة تذكر معه بعض الجمادات والحيوانات كما كان الحصا يسبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والضب يتكلم معه، وروي عن بعض الصحابة أنه قال:"كنا نأكل الطعام ونسمع تسبيحه".
وبقوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] يشير إلى أن الأنبياء كثيراً ما يجدوه من مواهب الله تعالى ببركة الأمة كل ما يجدون من مواهب الله تعالى إنما يجدونه بتبعية الأنبياء وبركاتهم، فلهذا قال: {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} [الأنبياء: 80] فيه إشارة أخرى وهي: أن المعجزة التي أظهر الله تعالى على يد رسوله داود عليه السلام من الآية الحديد وصنعة اللبوس كان كرامة لأمة النبي صلى الله عليه وسلم إذاً لخطاب معهم، ولهذا قال تعالى: {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء: 80] أي: تشكرون نعمة الكرامة التي كرمهم بها في سورة المعجزة على داود عليه السلام.