{وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ} [الأنبياء: 76] أي: من قبل أن يخرج من كتم العدم. {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76] وهو كتم العدم، وهذا أيضاً من المواهب {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأنبياء: 77] أي: ميزنَّاه وهديناه من بين قوم خذلناهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ} [الأنبياء: 77] في تقدير الأزل {أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77] في لجِّي بحر البشرية في ماء هوى النفسانية {فَأَغْرَقْنَاهُمْ} ليتحقق أن الهداية والخذلان منه سبحانه وتعالى.
ثم أخبر عن الحكمين المختلفين بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ} [الأنبياء: 78] يشير إلى أنا كنا حاضرين في حكمهما معها بالتأييد إنما حكماً بإرشادنا لهما، ولم يحط أحد مهما في حكمه إلا إنَّا أردنا تشييد بناء الاجتهاد بحكمهما عزة وكرامة للمجتهدين؛ ليتقدوا بهما مستظهرين بمساعيهم المشكورة في الاجتهاد.
وبقوله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79] يشير إلى: رفعة درجة بعض المجتهدين على بعض، وإن الاعتبار في الكبر والفضيلة بالعلم، وفهم الأحكام والمعاني، والأسرار لا بالسن، فإنه فهم بالأحق والأصوب وهو ابن صغير وداود نبي مرسل كبير، ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 79] أي: حكمة وعلماً؛ ليحكم كل واحد منهما موافقاً للعلم والحكمة بتأييدنا، وإن كان مخالفاً في الحكم لحكمنا؛ ليتحقق صحة أمر الاجتهاد، وأن لكل مجتهد مصيب.