إيراد وجوابه:
قد يقال: فما هي الفائدة إذاً في تخصيص الصالحين بالذكر في الآية؟.
والجواب:
1 -إن هذه الآية خوطب بها أول الناس الصحابة بمكة، وهم الصالحون في الأرض، ليعلموا ما وعدهم الله به، وليعلموا أن قوة الباطل إلى ضعف وأن ضعف الحق إلى قوة.
2 -ولأن شأن الصالحين - إذا كانوا - أن يكونوا قليلاً سيما أول أمرهم، فهم بحاجة إلى أن يعلموا هذا الوعد، ليزدادوا إيماناً وقوة وثباتاً.
3 -ولأن الخلق مفتونون بالكثرة في العدد والعدة غافلون عن القوة الروحية والأخلاقية، وما ينشأ عنهما من استقامة، لا يحسبون لذلك حساباً؛ فيحتاجون إلى العلم بأن الصالحين نائلون حظهم من هذا الوعد، وإن كانوا قلة في الناس. و {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] .
تحذير من تحريف:
رأى بعض الناس المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض - وهي مدنية مادية في نهجها وغايتها ونتائجها، فالقوة عندها فوق الحق والعدل والرحمة والإحسان - فقالوا: إن رجال هذه المدينة هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض، وزعموا أن المراد بـ {الصالحون} في الآية: الصالحون لعمارة الأرض.
فيالله للقرآن، وللإنسان، من هذا التحريف السخيف!! كان عمارة الأرض هي كل شيء؛ ولو ضلت العقائد، وفسدت الأخلاق، واعوجت الأعمال وساءت الأحوال، وعذبت الإنسانية بالأزمات الخانقة، وروعت بالفتن والحروب المخربة الجارفة، وهددت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها والمدنية من أساسها.
هذه هي بلايا الإنسانية التي يشكو منها أبناء هذه المدنية المادية التي عمرت الأرض وأفسدت
الإنسان، ثم يريد هذا المحرف أن يطبق عليها آية القرآن: كتاب الحق والعدل والرحمة والإحسان، وإصلاح الإنسان ليصلح العمران.
فأما الصالحون، فهو لفظ قرآني كما قدمناه، وقد شرف أهله بإضافتهم إلى الله في قوله {عبادي} فحمله على الصالحين لعمارة الأرض تحريف للكلم عن مواضعه أبشع التحريف وأبطله، فليحذر المؤمن منه ومن مثله من تحريفات المبطلين والمفتونين.
موعظة وإرشاد: