وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِي بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ بَنُو آدَمَ , أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ كَانُوا دُفِنُوا فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا عُنِيَ بِذَلِكَ الْحَشْرُ إِلَى مَوْقِفِ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ} يَنْسِلُونَ قَالَ: «جَمْعُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ جَاءُوا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهُوَ حَدَبٌ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ يَأْجُوجُ، وَمَأْجُوجُ , وَقَوْلُهُ: {وَهُمْ} كِنَايَةُ أَسْمَائِهِمْ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا: عُنِيَ بِذَلِكَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَأَنَّ قَوْلُهُ: {وَهُمْ} كِنَايَةٌ عَنْ أَسْمَائِهِمْ، لِلْخَبَرِ الَّذِي
[روي] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"يُفْتَحُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ , يَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} فَيَغْشَوْنَ الْأَرْضَ"
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَذْكُرُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَالَ:"قَالَ عِيسَى: عَهِدَ إِلَيَّ رَبِّي أَنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ، وَأَنَّهُ مُهْبِطِي إِلَيْهِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ قَضِيبَيْنِ، فَإِذَا رَآنِي أَهْلَكَهُ اللَّهُ. قَالَ: فَيَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، حَتَّى إِنَّ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ لَيَقُولُ: يَا مُسْلِمُ , هَذَا كَافِرٌ فَاقْتُلْهُ , فَيُهْلِكَهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَوْطَانِهِمْ. فَيَسْتَقْبِلُهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، لَا يَأْتُونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ"
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مِنْ كُلِّ حَدَبٍ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: مِنْ كُلِّ شَرَفٍ وَنَشَزٍ وَأَكَمَةٍ.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الْحَدَبُ: «الشَّيْءُ الْمُشْرِفُ» وَقَالَ الشَّاعِرُ:
(عَلَى الْحِدَابِ تَمُورُ)
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَنْسِلُونَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مُشَاةً مُسْرِعِينَ فِي مَشْيِهِمْ كَنَسَلَانِ الذِّئْبِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرمل]
عَسَلَانُ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِبًا ... بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ