أي: قال إِبراهيم - ردًّا على قومه: لقد جئتكم بالحق، ولست هازلًا أَو لاعبًا، فليست هذه التماثيل أَربابا لكم ولا لغيركم، بل ربكم المستحق لعكوفكم على عبادته، هو رب السماوات
والأرض الذي خلقهن وما فيهن دون شريك أَو معين، وأَنا على ربوبيته من الشاهدين، مما قام عندى من الأَدلة والبراهين، فلست مثلكم أَعبد ما لا تقوم على ربوبيته حجة ولا برهان وأَعتذر بتقليد الآباءِ والأَجداد.
ويجوز أَن يكون الضمير في (فَطَرَهُنَّ) راجعًا إلى التماثيل، فالله - تعالى - هو الذي خلق المادة التي صنعت منها، وهذا أَدخل في تضليلهم وأَثبت في الاحتجاج عليهم؛ حيث قد عبدوا مخلوقات لله الذي يعبده، تجرى عليها أَحكامه، فهي لا تملك شيئًا من أمر نفسها، فضلًا عن غيرها.
ثم توعدهم بأَنه سيفعل بتلك الأَصنام فعلًا له خطره وشأْنه، ليثبت لهم بالطريقة الفعلية أَنها لا تملك من أَمر نفسها شيئًا فقال:
{وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ}
المفردات:
{لَأَكِيدَنَّ} : الكيد؛ الاحتيال لإلحاق الأَذى بغيرك. {تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} : تَنْصرفوا عنها وتتركوا حراستها. {جُذَاذًا} : قطعًا، من الجذِّ وهو القطع. {يَذْكُرُهُمْ} : يتحدث عنهم بما يعيبهم. {كَبِيرًا} : أَي كبيرًا في تعظيمهم له، أَو في حجمه.