قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّ {هُمْ} مِنْ قَوْلِهِ: {وَلَا هُمْ} مِنْ ذِكْرِ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {يُصْحَبُونَ} بِمَعْنَى: يُجَارُونَ , يُصْحَبُونَ بِالْجِوَارِ , لِأَنَّ الْعَرَبَ مَحْكِيُّ عَنْهَا: أَنَا لَكَ جَارٌ مِنْ فُلَانٍ , وَصَاحِبٌ، بِمَعْنَى: أُجِيرُكَ , وَأَمْنَعُكَ، وَهُمْ إِذَا لَمْ يُصْحَبُوا بِالْجِوَارِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَانِعٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَعَ سَخَطِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُصْحَبُوا بِخَيْرٍ , وَلَمْ يُنْصَرُوا.
القول في تأويل قوله تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) }
يقول تعالى ذكره: ما لهؤلاء المشركين من آلهة تمنعهم من دوننا، ولا جار يجيرهم من عذابنا، إذا نحن أردنا عذابهم، فاتكلوا على ذلك، وعصوا رسلنا اتكالا منهم على ذلك، ولكنا متعناهم بهذه الحياة الدنيا وآباءهم من قبلهم حتى طال عليهم العمر، وهم على كفرهم مقيمون، لا تأتيهم منا واعظة من عذاب، ولا زاجرة من عقاب على كفرهم وخلافهم أمرنا، وعبادتهم الأوثان والأصنام، فنسوا عهدنا وجهلوا موقع نعمتنا عليهم، ولم يعرفوا موضع الشكر.
وَقَوْلُهُ: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ , السَّائِلُو مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَاتِ , الْمُسْتَعْجِلُو بِالْعَذَابِ، أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نُخَرِّبُهَا مِنْ نَوَاحِيهَا , بِقَهْرِنَا أَهْلَهَا، وَغَلَبَتِنَاهُمْ، وَإِجْلَائِهِمْ عَنْهَا، وَقَتْلِهِمْ بِالسُّيُوفِ، فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ , وَيَتَّعِظُوا بِهِ، وَيَحْذَرُوا مِنَّا أَنْ نُنْزِلَ مِنْ بَأْسِنَا بِهِمْ نَحْوَ الَّذِي قَدْ أَنْزَلْنَا بِمَنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَطْرَافِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَائِلِينَ بِقَوْلِنَا هَذَا , وَمُخَالِفِيهِ بِالرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَوْلُهُ: {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ}