وغفل هؤلاء أن الآية تقول: {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ . .} [الأنبياء: 44] لا من طرفها ، فالنقص من جميع الأطراف ، فمِثْل هذه الأقوال تفتح الباب للطعن في القرآن والخوْض فيه .
ونتساءل {أَفَلاَ يَرَوْنَ ...} [الأنبياء: 44] رأي هنا علمية أم بصرية؟ لو قلنا: إنها بصرية فهذه ظاهرة لم تُعْرَف إلا في القرن العشرين ، ولم ينتبه لها أحد قبل ذلك ، إذن: فهي ليست بصرية . وأيضاً ليست علمية ، فلم تصل هذه المعلومة إلى هؤلاء ، ولم يكُنْ العرب حينذاك أمةَ علم ، ولا أمة ثقافة ، ولاشيء من ذلك أبداً . فإذا ما استبعدنا هذا التفسير ، فما المعنى المناسب؟
نقول: إنْ كانت رأي بصرية ، فقد رأوا هذه الظاهرية في الأمم السابقة ، وقد كانوا يصادمون دين الله ويحاربونه ؛ لأنه جاء ليقضي على سلطتهم الزمنية ، ويجعل الناس سواء ، ومع ذلك كان الدين ينتشر كل يوم وتزيد رقعته وتقلّ رُقعة الكفر .
فالمعنى: ننقص أرض الكفر إما من الناس ، أو من العمائر التي تُهدم وتخرب بالزلازل والخسف وغيره ، فننقص الأرض ، وننقص الناس ، وننقص مظاهر العمران في جانب الكفر ، وهذا النقص هو نفسه الزيادة في أرض الإيمان . وهذه الظاهرة حدثت في جميع الرسالات .
فإنْ قال قائل: كيف نقبل هذا التفسير ، وزيادة أرض الإيمان لم تحدث إلا بعد الهجرة ، والآية مكية؟ تقول: كَوْن الآية مكية لا يقدح في المعنى هنا ، فليس من الضروري أن يَروْا ذلك في أنفسهم ، ويكفي أنْ يروها في الأمم السابقة ، كما جاء في قوله تعالى:
{وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ} [الصافات: 137] .
وقال: {وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد * وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد * الذين طَغَوْاْ فِي البلاد * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد} [الفجر: 9 - 12] .
وإن اعتبرنا (رأي) علمية ، فقد علموا ذلك من أهل الكتاب ممَّنْ تحالفوا معهم ، فما حدث للأمم السابقة سيحدث لكم .