31 -والثالث: ما ذكره بقوله: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ} ؛ أي: جبالاً ثوابت. جمع راسية من رسا إذا ثبت ورسخ، كراهة {أَنْ تَمِيدَ} الأرض، وتميل، وتتحرك، وتضطرب، وتدور {بِهِمْ} ؛ أي بما عليها من المخلوقات. والأرض جسم غليظ، أغلظ ما يكون من الأجسام، واقف على مركز العالم، مبين لكيفية الجهات الست، فالشرق حيث تطلع الشمس والقمر، والغرب حيث تغيب، والشمال حيث مدار الجدي، والجنوب حيث مدار سهيل، والفوق ما يلي المحيط، والأسفل ما يلي مركز الأرض. والميد اضطراب الشيء العظيم ودورانه كاضطراب الأرض، يقال: ماد يميد ميدًا إذا تحرك، ومنه سميت المائدة، وهي الطبق الذي عليه الطعام. قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: إنّ الأرض بسطت على وجه الماء، فكانت تميد بأهلها، كما تميد السفينة على الماء، فأرساها الله بالجبال الثوابت، كما ترسى السفينة بالمرساة.
وسئل علي - رضي الله عنه -: أيُّ الخلق أشدُّ؟ قال: أشد الخلق الجبال الرواسي، والحديد أشد منها يحث به الجبل، والنار تغلب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، والإنسان يغلب الريح بالثبات، والنوم يغلب الإنسان، والهم يغلب النوم، والموت يغلب كلها، انتهى.
واعلم: أنه قد أثبت العلم حديثاً أن الأرض كانت نارًا ملتهبةً، ثم بردت قشرفها، وصارت صوانيةً صلبةً، وقدّروا زمن ذلك بنحو ثلاث مائة مليون سنةً. ومما يدل على صدق هذه النظرية ما نراه من حمم النيران التي تخرجها البراكين في جهات كثيرة من الأرض كما حدث في سنة (1909) لبركان فيزوف بإيطاليا، وقد طغى على مدينة مسينا، وابتلعها في باطنه، ولم يبق منها شيئًا، فهذه البراكين أشبه بأفواهٍ تتنفس بها الأرض لتخرج من باطنها نيرانًا، ومواد ذائبة، مما يرشد إلى أنها كلها في أحقاب طويلة كانت كذلك.