وغيره عن وهب أنه عليه السلام لما اشتد عليه الهول نودي من الشجرة فقيل: يا موسى فأجاب سريعاً وما يدري من دعاه وما كان سرعة إجابته إلا استئناساً بالإنس فقال: لبيك مراراً إني لأسمع صوتك وأحس حسك ولا أرى مكانك فأين أنت: قال: أنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك فلما سمع هذا موسى عليه السلام علم أنه لا ينبغي ذلك إلا لربه تعالى فايقن به فقال: كذلك أنت يا إلهي فكلامك أسمع أم رسولك؟ قال: بل أنا الذي أكلمك ، ولا يخفى تخريج هذا الأثر على مذهب السلف ومذهب الصوفية وأنه لا يحصل الإيقان بمجرد سماع ما لا ينبغي أن يكون إلا لله تعالى من الصفات إذا فتح باب الوسوسة ، ثم إن هذا الأثر ظاهر في أن موسى عليه السلام سمع الكلام اللفظي منه تعالى بلا واسطة ولذا اختص عليه السلام باسم الكليم وهو مذهب جماعة من أهل السنة وذلك الكلام قديم عندهم.
وأجابوا عن استلزام الحدوث لأنه لا يوجد بعضه إلا بتقضي بعض آخر بأنه إنما يلزم من التلفظ بآلة وجارحة وهي اللسان أما إذا كان بدونها فيوجد دفعة واحدة كما ياهد في الحروف المرسومة بطبع الخاتم دون القلم ويلزمهم أن يؤولوا قوله تعالى: {فَلَمَّا أتاها نُودِىَ} [طه: 11] الخ بأن يقولوا: المراد فلما أتاها أسمع أتاها أسمع النداء أو نحو ذلك وإلا فمجيء النار حادث والمرتب على الحادث حادث ، ولذا زعم أهل ما وراء النهر من أهل السنة القائلين بقدم الكلام أن هذا الكلام الذي سمعه موسى عليه السلام حادث وهو صوت خلقه الله تعالى في الشجرة ، وأهل البدعة أجمعوا على أن الكلام اللفظي حادث بيد أن منهم من جوز قيام الحوادث به تعالى شأنه ومنهم من لم يجوز ، وزعم أن الذي سمعه موسى عليه السلام خلقه الله عز وجل في جسم من الأجسام كالشجرة أو غيرها.