وَثَانِيهَا: أَنَّ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ إِنَّمَا وَقَعَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لَمْ يَجُزْ بَعْدَ أَنْ قَبِلَ اللَّه تَوْبَتَهُ وَشَرَّفَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، إِطْلَاقُ هَذَا الِاسْمِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُقَالُ لِمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْكُفْرِ إِنَّهُ كَافِرٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا، بَلْ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْوَاقِعَةُ وَقَعَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَابَ عَنْهَا، كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ زَنَى ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ لَا يُقَالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّهُ شَارِبُ خَمْرٍ أو زان فكذا هاهنا.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَنَا: عَاصٍ وَغَاوٍ يُوهِمُ كَوْنَهُ عَاصِيًا فِي أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ وَغَاوِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّه تَعَالَى وَلَمْ تَرِدْ هَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ فِي الْقُرْآنِ مُطْلَقَتَيْنِ بَلْ مَقْرُونَتَيْنِ بِالْقِصَّةِ الَّتِي عَصَى فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: عَصَى فِي كَيْتَ وَكَيْتَ وَذَلِكَ لَا يُوهِمُ التَّوَهُّمَ الْبَاطِلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّه تَعَالَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ فِي عَبِيدِهِ وَوَلَدِهِ عِنْدَ مَعْصِيَتِهِ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ مَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ وَوَلَدِهِ.
{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) }
«فَلاَ يَضِلُّ» في الدُّنيا، «وَلاَ يشقى» في الآخرة، لأنه تعالى يهديه إلى الجنة.
وقيل: لا يَضِلُّ ولا يَشْقَى في الدُّنْيَا.
«فَإِنْ قِيلَ» : المتبع لهدى الله قَدْ يَشْقَى في الدنيا؟
فالجَوابُ: أن المراد لا يضل في الدين، ولا يشقى بسبب الدين، فإن حصل بسبب آخر فلا بأس.