[688] فإن قيل: كيف قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي) [طه: 124] أي عن موعظتي أو عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) [طه: 124] أي حياة في ضيق وشدة، ونحن نرى المعرضين عن الإيمان والقرآن في أخصب معيشة وأرغدها؟
قلنا: قال ابن عباس رضي الله عنهما: المراد بالمعيشة الضنك الحياة في المعصية وإن كان في رخاء ونعمة. وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنها عذاب القبر.
الثاني: أن المراد بها عيشته في جهنم في الآخرة.
الثالث: أن المراد بها عيشة مع الحرص الشديد على الدنيا وأسبابها، وهذه الآية في مقابلة قوله في سورة النحل: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً) [النحل: 97] فكل ما ذكرناه في تفسير الحياة الطيبة فضده وارد في المعيشة الضنك.
[689] فإن قيل: أي الكلمات التي سبقت من الله فكانت مانعة من تعذيب هذه
الأمة في الدنيا عذاب الاستئصال، حتّى قال تعالى: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً) [طه: 129] ؟
قلنا: قيل هي قوله تعالى: «سبقت رحمتي غضبي» ويرد عليه أنه لا اختصاص لهذه الأمة بهذه الكلمة، وقيل هي قوله تعالى للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) [الأنفال: 33] وقيل في قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) [الأنبياء: 107] يعني لعالمي أمته بتأخير العذاب عنهم، وقيل في الآية تقديم وتأخير تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمّى، وهو الأجل الذي قدر الله تعالى بقاء العالم وأهله إلى انقضائه لكان العذاب لزاما، أي لازما لهم كما لزم الأمم التي قبلهم.