"ليقفنَّ أحدُكم بين يدي اللَّه عزَّ وجلَّ ليسَ بينه وبينه حجابٌ ولا ترجمانُ يترجمُ له ، ثم ليقولنَّ لهُ: ألم أوتكَ مالاً ؛ فليقولنَّ بلى ، ثم يقولُ: ألم أرسلْ إليك رسولاً ؛ فليقولنَّ: بلى ، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا النارَ ، ثم ينظرُ عن شمالِهِ فلا يَرى إلا النارَ ، فليتقين أحدُكُم النارَ ولو بشقِّ تمرة ، فإن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبة".
وفي حديث عبدِ الرحمنِ بن سمرةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج يومًا فقال:
"رأيت الليلةَ عجبًا"فذكرَ حديثًا طويلاً ، وفيه:"رأيتُ رجلاً من أُمَّتي يتقي وهجَ النارَ وشررَهَا بيديه من وجهِه ، فجاءتْهُ صدقتُهُ فصارتْ سترًا على رأسه وظلاًّ على وجهِهِ".
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(96)
ومن اشتغلَ بتربيةِ منزلتِهِ عند اللَّه تعالى بما ذكرنا من العلم الباطن وصلَ
إلى اللَهِ فاشتغلَ به عمَّا سواه ، وكان له في ذلك شُغُلٌ عن طلبِ المنزلةِ عندَ
الخلقِ ، ومع هذا فإنَّ اللَّه يُعطيه المنزلةَ في قُلوبِ الخلقِ والشرفَ عندَهم ، وإن كان لا يريدُ ذلك ولا يقفُ معه ؛ بل يهرَبُ منه أشدَّ الهربِ ويفِرُّ أشدَّ الفِرارِ خشية أن يقطعع الخلقُ عن الحقِّ - جلَّ جلالُهُ.
قال اللَّه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا(96) .
أي: في قلوب عِبادِهِ.
وفي حديثٍ:"إنَّ اللَّه إذا أحب عبدًا نادَى: يا جِبْريلُ: إني أحبُّ فُلانًا فيُحبُّه جبريلُ ، ثم يحبه أهل السماءِ ، ثم يوضَعُ له القبُولُ في الأرض".
والحديثُ معروفٌ ، وهو مُخرَّجٌ في"الصحيح".
وبكلِّ حالٍ ، فطلبُ شرفِ الآخرةِ يحصلُ معه شرفُ الدنيا وإن لم يرده
صاحبه ولم يطلبْهُ ، وطلبُ شرفِ الدنيا لا يجامع شرف الآخرةِ ولا يجتمعُ