ولو لم يكن للمؤمن مال كيف يطالَب بزكاة وصدقات، وكيف يجهز جند الله، ومن الذي يبني ويعمر، ومن الذي تكون له الأرض يخرج منها ما يقيت الناس وينفعهم، ومن الذي يبني المصانع والمتاجر والبيوت ويعمر الأرض؟! إنما يريد ربنا أن يعمرها من يعمرها باسمه ومن أجله، وأن يؤدي فيها حق الله، وألا يستطيل بما ملك على عباد الله، وألا يدعوه ماله إلى التخلق بالأخلاق الذميمة، كالكبر والبطر والبخل والشح، وما إلى ذلك من أخلاق فاسدة، فإن امتلك الدنيا فأدى فيها حق مولاه، فهو جدير بها، ونعم المال الصالح للرجل الصالح.
والقصة التي معنا تعبر عن هذه الحقيقة، وتبين ما أدى إليه المال في حياة واحد من الناس، مِن الكفر بالله والتعالي على خلق الله، وقياس الأمور بمقياس غير صحيح، وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش، الذين أنِفوا أن يجلسوا مع فقراء المسلمين
وضعفائهم، واشترطوا للدخول في الإسلام أن يطرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مجلسه هؤلاء الضعفاء ليجلسوا معه وليستمعوا إلى قوله، وكأن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- مال إلى ذلك.
وربما رأى أن يذكر لهؤلاء الفقراء أن مصلحة الدعوة في ذلك، وأنه يطلب منهم أن يتنحوا عن المجلس ليخلوا للسادة من قريش، فإن دخلوا في الإسلام كانوا قوة له وسندًا لدعوته، وحينذاك سوف يعرفون ويؤمنون بمبادئ الإسلام، ومنها أنه دين المساواة، فيعود هؤلاء الضعاف ليجلسوا مع هؤلاء السادة الأغنياء في مجلس، يضمهم فيه أخوة الإيمان والإسلام، ولكن الله ثبت رسوله وقال له: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الكهف: 28) الآية، وقال له: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (الأنعام: 52) الآية.
فكان حال هؤلاء الكفار من مشركي قريش شبيهًا بحال صاحب الجنتين، وحال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين شبيهًا بحال الرجل المؤمن، الذي اجتهد في نصيحة هذا الرجل الكافر، وكان هذا المؤمن معتزًّا بدينه، ويرى أن ما معه من الإيمان لا يعدله شيء من متاع الحياة الدنيا.