وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه الرسالة وأدى الأمانة، فوصل إلينا هذا القرآن محفوظًا بحفظ الله، ومن جملة الأسباب التي أدت إلى حفظه اختيار الله لأناس حببهم فيه، واصطفاهم لصحبة نبيه، فكانوا نور الحياة وبهجتها، وحملة كتاب الله وقراءه، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم أغنياء الصحابة كأبي بكر وعثمان وابن عوف وغيرهم، ومنهم الفقراء كابن مسعود وبلال والكثير من الصحابة من العبيد والموالي، ومن لا مال لهم، وكلا الفريقين من الأغنياء والفقراء سواء في مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تجمعهم أخوة الإيمان، ويضمهم هدف واحد هو نصرة هذا الدين، والعمل على حفظ كتاب الله ونشر مبادئه.
لكن المشركين لهم مقاييس مختلفة، فمقاييسهم قائمة على أساس من المال والجاه، فأصحاب المال والجاه أهل الحظوة والقرب والفضل والمكانة، قولهم مسموع وكلمتهم مطاعة، وغيرهم من الفقراء ومن لا مال لهم ولا جاه خدم لهم وعبيد لإحسانهم، ومكانهم خلف الصفوف، ولا يحق لهم أن يجلسوا في مجلس الأثرياء وأصحاب الأموال، وبهذه المقاييس الخاطئة حكموا على أقدار الناس ومنزلتهم، فكانت العنصرية البغيضة سببًا للفرقة وبابًا للأحقاد والبغض، وما بهذا كما قلنا تستقيم حياة الناس، ولا بهذا تنهض الأمم والشعوب.
وانطلاقًا من هذا الفهم لأقدار الناس ومكانتهم، طلب المشركون من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخصص لهم مجلسًا يجلسون فيه معه، لا يجلس فيه أحد من هؤلاء الفقراء من
الصحابة؛ إذ لا يليق بسادة القوم أن يجلس معهم هؤلاء الضعاف والفقراء، مِن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزل الوحي يرسي حقيقة الحياة بين الناس، ويبين أن القيمة الحقيقية للرجال في إيمانهم لا في أموالهم، ولا فيما ملكت أيديهم، وأن الإسلام ليس في حاجة إلى متكبرين ومتجبرين، يظنون أن قيمة الإنسان فيما يملك من حطام الدنيا، لا فيما استقر في وجدانه من معرفة الله، والعمل بكتابه وسنة نبيه.