وقوله - سبحانه -: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ.
والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه، - أولا - قد زعم أن مدار التفاضل هو الثروة والعشيرة، ويراه - ثانيا - قد بنى حياته على الغرور والبطر، واعتقاد الخلود لزينة الحياة
الدنيا، ويراه - ثالثا - قد أنكر البعث والحساب، والثواب والعقاب.
ويراه - رابعا - قد توهم أن غناه في الدنيا سيكون معه مثله في الآخرة:
قال صاحب الكشاف: وأخبر عن نفسه بالشك في بيدودة جنته، لطول أمله، واستيلاء الحرص عليه، وتمادى غفلته، واغتراره بالمهلة، واطراحه النظر في عواقب أمثاله، وترى أكثر الأغنياء من المسلمين، وإن لم يطلقوا بمثل هذا ألسنتهم، فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به، منادية عليه.
وأقسم على أنه إن رد إلى ربه - على سبيل الفرض والتقدير - ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وتمنيا على الله .. ».
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما قاله الرجل المؤمن لصاحب الجنتين، الذي نطق بأفحش، وأفجر الفجور، فقال - تعالى -:
[سورة الكهف (18) : الآيات 37 إلى 41]
(قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً(37)
أي: قال الرجل الفقير المؤمن، في رده على صاحبه الجاحد المغرور، منكرا عليه كفره قال له على سبيل المحاورة والمجاوبة: يا هذا أَكَفَرْتَ بالله الذي «خلقك» بقدرته
«من تراب» . أي: خلق أباك الأول من تراب، كما قال: سبحانه إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ أي: خلق أباك آدم من تراب، ثم أوجدك أنت من نطفة عن طريق التناسل والمباشرة بين الذكر والأنثى.
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا أي: ثم صيرك إنسانا كاملا، ذا صورة جميلة، وهيئة حسنة. كما قال - سبحانه -: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ.