كذلك جاز أن يكون المعنى، قل يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني - وهذا لأرباب الطاعات، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني - وهذا لأصحاب الزلات. عَلِمَ قصور لسان العاصي وما يمنعه من الخجل وما يقبض على لسانه إذا تذكَّر ماعمله من الزلاَّت، فأعطاه غفرانه، وكفاه حشمةَ السؤال، والتفضل؛ فقال: غفرتُ لكم قبل أن تستغفروني.
ولكن متى يخطر على قلب العبد ما أهَّلَه الحق - سبحانه - من العرفان؟ وكيف يكون ذلك الحديث؟ ... قَبْلَ أَنْ كان له إمكانٌ، أو معرفة وإحسان، أو طاعة أو عصيان، أو عبادة وعرفان، أو كان له أعضاء وأركان، أو كان العبد شيخاً أو عيناً أو أثراً .. لا بَلْ:
أتاني هواها قبل أَنْ أَعْرِف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فَتَمكَّنَا
قوله جلّ ذكره: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَأ إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} .
كيف يكون شكركم كفاء نِعَمِه .. ؟ وشكرُكُم نَزْرٌ يسير، وإنعامُه وافر غزير.
وكيف تكون قطرة الشكر بجوار بحار الإنعام؟
إنَّ نِعَمَه عُلُومُكُم عن تفصيلها متقاصرةٌ، وفُهُومُكُم عن تحصيلها متأخِّرةٌ.
وإذا كان ما يدفع عن العبد من وجوه المحن وفنون البلايا من مقدوراته لا نهاية له ... فكيف يأتي الحصر والإحصار على ما لا يتناهى؟
وكما أن النَّفْعَ من نِعِمَه فالدفعُ أيضاً من نعمه.
ويقال إن التوفيق للشكر من جملة ما ينعم به الحقُّ على العبد فإذا أراد أن يشكره لم يمكنه إلا بتوفيقٍ آخر فلا يبقى من النعم إلا ما يشكر عليه. انتهى انتهى. {لطائف الإشارات حـ 2 صـ 252 - 255}