وهنا لجأ الأقوام إلى التهديد بإخراج الرسل من أوطانهم ونفيهم: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أي من ديارنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي في ديننا أي ليكونن أحد الأمرين: إخراجكم أو عودكم، وحلفوا على ذلك فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ هذا وعد من الله بإهلاك الظالمين واستخلاف المؤمنين إذا تحققوا بصفتين ذلِكَ أي الإهلاك والإسكان لِمَنْ خافَ مَقامِي أي موقفي وهو موقف الحساب، أو خاف قيامي عليه بالعلم وَخافَ وَعِيدِ أي عذابي، أي وعيدي، هذا لمن خاف مقامه بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، والمعنى أن إهلاك الأعداء واستخلاف الأولياء منوطان بوجود التقوى
وَاسْتَفْتَحُوا أي واستنصر الرسل على أعدائهم، أو واستفتح الكفار على الرسل ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل، أو واستنصر
الجميع الله وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ منهم أي بأن لم يفلح باستفتاحه وهم مكذبو الرسل، والجبار: هو المتجبر في نفسه، والعنيد: هو المعاند للحق، وكيف لا يخيب ويخسر حين يجتهد الأنبياء في الابتهال إلى الله ربهم العزيز المقتدر، ومع خيبة الجبارين المعاندين في الاستفتاح في الدنيا فإن أمامهم عذاب النار
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وراء هنا بمعنى أمام أي من أمام الجبار العنيد جهنم، أي هي له بالمرصاد يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد، وهو إما وصف لحاله في الدنيا لأنه مرصد لجهنم فكأنها بين يديه، وهو على شفيرها، وإما وصف لحاله في الآخرة حين يبعث ويوقف وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ إذا ألقي في النار، والصديد هو ما يسيل من جلود أهل النار