قلت: ويظهر من هذا أنه يموت ، وليس كذلك ؛ لقوله تعالى: {لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36] وبذلك وردت السنة ؛ فأحوال الكفار أحوال من استولى عليه سكرات الموت دائماً ، والله أعلم.
{وَمِن وَرَآئِهِ} أي من أمامه.
{عَذَابٌ غَلِيظٌ} أي شديد متواصل الآلام من غير فتور ؛ ومنه قوله: {وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَة} [التوبة: 123] أي شدة وقوة.
وقال فُضَيل بن عِياض في قول الله تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} قال: حبس الأنفاس.
قوله تعالى: {مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ}
اختلف النحويون في رفع"مَثَلُ"فقال سيبويه: ارتفع بالابتداء والخبر مضمر ؛ التقدير: وفيما يُتلى عليكم أو يُقَصّ"مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ"ثم ابتدأ فقال:"أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ"أي كمثل رماد {اشتدت بِهِ الريح} .
وقال الزجاج: أي مَثَل الذين كفروا فيما يتلى عليكم أعمالُهم كرماد ، وهو عند الفرّاء على إلغاء المَثَل ، التقدير: والذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد.
وعنه أيضاً أنه على حذف مضاف ؛ التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد ؛ وذكر الأول عنه المهدويّ ، والثاني القُشَيريّ والثّعلبيّ ويجوز أن يكون مبتدأ كما يقال: صفة فلان أسمر ؛ ف"مَثَلُ"بمعنى صفة.
ويجوز في الكلام جر"أعمالهم"على بدل الاشتمال من"الَّذِينَ"واتصل هذا بقوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} والمعنى: أعمالهم مُحْبَطة غير مقبولة.
والرماد ما بقي بعد احتراق الشيء ؛ فضرب الله هذه الآية مثلاً لأعمال الكفّار في أنه يمحقها كما تمحق الرّيحُ الشديدة الرّمادَ في يوم عاصف.
والعَصْفُ شدة الريح ؛ وإنما كان ذلك لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى.