-وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ - أَيْ: وَلَا تُفْسِدُوا فِيهَا حَالَ كَوْنِكُمْ مُتَعَمِّدِينَ لِلْإِفْسَادِ ، يُقَالُ: عَثِيَ يَعْثَى (كَرَضِيَ يَرْضَى) عِثِيًّا بِكَسْرَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - وَعَثَا يَعْثُو (كَغَزَا يَغْزُو) عُثُوًّا بِضَمَّتَيْنِ وَالتَّشْدِيدُ أَيْضًا - أَفْسَدَ ، وَهَذَا نَهْيٌ آخَرُ عَامٌّ يَشْمَلُ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ، كَقَطْعِ الطُّرُقِ وَتَهْدِيدِ الْأَمْنِ وَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ وَقَتْلِ الْحَيَوَانِ ، وَقَيْدِهِ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا هُوَ إِفْسَادٌ فِي الظَّاهِرِ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْإِصْلَاحُ أَوْ دَفْعُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ ، كَالَّذِي يَقَعُ فِي الْحَرْبِ مِنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ ، أَوْ فَتْحِ سُدُودِ الْأَنْهَارِ ، أَوْ إِحْرَاقِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِالنَّارِ ، وَمِنْهُ خَرْقُ الْخَضِرِ لِلسَّفِينَةِ الَّتِي كَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ لِمَنْعِ الْمَلِكِ الظَّالِمِ الَّذِي وَرَاءَهُمْ
مِنْ أَخْذِهَا إِذَا أَعْجَبَتْهُ . وَالْإِفْسَادُ: تَعْطِيلٌ يَشْمَلُ مَصَالِحَ الدُّنْيَا ، وَصِفَاتِ النَّفْسِ وَأَخْلَاقَهَا ، وَأُمُورَ الدِّينِ ، وَكُلُّ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ فَاشِيَّةٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ .