وهذا التقدير والمعنى لا يصلحان، لأنّ الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله: ومن آمن، ولم يكونوا قسمين كفاراً ومؤمنين، فتكون الكفار مأمورين بالهبوط مع نوح، إلا إن قدر أن من أولئك المؤمنين من يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحالة التي يؤولون إليها فيمكن على بعد، والذي ينبغي أن يفهم من الآية أنّ من معه ينشأ منهم مؤمنون وكافرون، ونبه على الإيمان بأن المتصفين به من الله عليهم سلام وبركة، وعلى الكفر بأن المتصفين به يمتعون في الدنيا ثم يعذبون في الآخرة، وذلك من باب الكناية كقولهم: فلان طويل النجاد كثير الرماد.
وظاهر قوله: ممن معك يدل على أنّ المؤمنين والكافرين نشأوا ممن معه، والذين كانوا معه في السفينة إن كانوا أولاده الثلاثة فقط، أو معهم نساؤهم، انتظم قول المفسرين أنّ نوحاً عليه السلام هو أبو الخلق كلهم، وسمي آدم الأصغر لذلك.
وإن كانوا أولاده وغيرهم على الاختلاف في العدد، فإن كان غير أولاده مات ولم ينسل صح أنه أبو البشر بعد آدم، ولم يصح أنه نشأ ممن معه مؤمن وكافر، إلا إن أريد بالذين معه أولاده، فيكون من إطلاق العام ويراد به الخاص.
وإن كانوا نسلوا كما عليه أكثر المفسرين فلا ينتظم أنه أبو البشر بعد آدم بل الخلق بعد الطوفان منه، وممن كان معه في السفينة والأمم الممتعة ليسوا معينين، بل هم عبارة عن الكفار.
وقيل: هم قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 5 صـ}