أي: لا قَطْع لقول الله فيهم بأن لهم النار ، ولا شيء يحول دون ذلك أبداً ، ولا بد أن ينالوا هذا الوعيد ؛ وهكذا التقى المعنى ب"لا بد".
إذن: فساعة تسمع كلمة"لا جرم"، أي: ثبت ، أو لا بد من حدوث الوعيد .
وأيضاً تجد كلمة"الجريمة"مأخوذة من"الجرم"، وهي قطع ناموس مستقيم ، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئاً ، فهذا ناموس مستقيم ، فإن سرق واحد من آخر ، فهو قد قطع الأمن والسلام للناس ، وأيُّ جريمة هي قَطْع للمألوف الذي يحيا عليه الناس .
وأيضاً يقال: جرم الشيء أي: اكتسب شرَّه ، ومنه الجريمة ، ولذلك يقال: من الناس من هو"جارم"وهي اسم فاعل من الفعل:"جرم"، مثل كلمة"كاتب"من الفعل"كتب"و"مجروم عليه"وهي اسم مفعول ، مثلها مثل"مكتوب".
فإن أخذت الجريمة من قطع الأمر السائد في النظام ، فهؤلاء الذين افتروا على الله وظلموا وصدوا عن سبيل الله ، فلا جريمة في أن يعذبهم الله بالنار .
ومثل هذه العقوبة ليست جريمة ؛ لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة ، بل هي مَنْع للجريمة .
وهكذا تلتقي المعاني كلها ، فحين نقول: {لاَ جَرَمَ} فذلك يعني أنه لا جريمة في الجزاء ؛ لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] .
وقد سمَّاها الحق سيئة ؛ لأنها تسيء إلى المجتمع أو تسيء إلى الفرد نفسه .
ولهذا يقول الحق سبحانه:
{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] .
وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه: {لاَ جَرَمَ} ، فهي تعني: لا قطع لقول الله في أن المشركين سيدخلون النار ، أو لا بد أن يدخلوا النار ، أو حق وثبت أن يدخلوا النار ، أو لا جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا ؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم .