(قالَ ياقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ(28)
«فإن قلت» : فقوله (فَعُمِّيَتْ) ظاهر على الوجه الأوّل، فما وجهه على الوجه الثاني؟ وحقه أن يقال فعميتا؟
قلت: الوجه أن يقدّر فعميت بعد البينة، وأن يكون حذفه للاقتصار على ذكره مرة: ومعنى عميت خفيت. وقرئ:
فعميت بمعنى أخفيت. وفي قراءة أبي: فعماها عليكم.
«فإن قلت» : فما حقيقته؟
قلت: حقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء، لأنّ الأعمى لا يهتدى ولا يهدى غيره، فمعنى فعميت عليكم البينة فلم تهدكم، كما لو عمى على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغير هاد.
«فإن قلت» : فما معنى قراءة أبيّ؟
قلت: المعنى أنهم صمموا على الإعراض عنها فخلاهم الله «1» وتصميمهم، فجعلت تلك التخلية تعمية منه، والدليل عليه قوله (أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ)
يعني أنكرهكم على قبولها ونقسركم على الاهتداء بها، وأنتم تكرهونها ولا تختارونها، ولا إكراه في الدين؟ وقد جيء بضميري المفعولين متصلين جميعًا.
ويجوز أن يكون الثاني منفصلا كقولك:
أنلزمكم إياها. ونحوه (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)
ويجوز: فسيكفيك إياهم.
(1) قوله «فخلاهم الله» لم يفسره بمعنى أخفاها، لأن الله لا يفعل الشر عند المعتزلة، وعند أهل السنة يفعل كل ممكن.