إذن: الجوارح خادمة مطيعة مُسخَّرة لذلك الإنسان وإرادته ، لكن الأمر يختلف في الآخرة ، حيث لا أمر لأحد إلا الله .
والحق سبحانه القائل:
{لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .
فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها: كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغماً عنا ؛ لأننا كنا مُسخَّرين لكم في الدنيا ، والآن انحلَّتْ إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله .
وهكذا تعترف الأشهاد ، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{وَيَقُولُ الأشهاد هؤلاء الذين كَذَبُواْ على رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} [هود: 18] .
وما داموا قد كذبوا على ربهم ، فالمكذوب عليه هو الله ، ولا بد أن يطردهم من الرحمة ، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به والإلحاد وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: {الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}
وهنا يحدثنا القرآن عن هؤلاء الذين كفروا بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكتفوا بكفرهم ، بل تمادوا وأرادوا أن يصدوا غيرهم عن الإيمان .
وبذلك تعدَّوا في الجريمة ، فبعد أن أجرموا في ذواتهم ؛ أرادوا لغيرهم أن يُجرم .
وسبق أن أنزل الحق سبحانه خطاباً خاصّاً بأهل الكتاب ، الذين سبق لهم الإيمان برسول سابق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أعماهم الطمع في السلطة الزمنية فطمسوا الآيات المبشرة برسول الله في كتبهم ، وهم بذلك إنما صدُّوا عن سبيل الله ، وأرادوا أن تسير الحياة معوجَّة .
يقول الحق سبحانه:
{قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99] .