إذن: فعمل الأشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بُلِّغوا المنهج ، وبُلِّغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى ، وأن عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار .
ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه ؛ لذلك فلا عقاب إلا بالتأكيد من وقوع الجريمة ، لذلك لا بد من شهادات متعددة ، ولذلك يأتي الشاهد من الملائكة ، وهو من جنس غير جنس المعروضين ، ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا أنه معصوم .
وكذلك يأتي الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بُلِّغوا منهج الإيمان ، ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها ، وهي شهادة الأبعاض على الكل .
يقول الحق سبحانه:
{وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ الله إِلَى النار فَهُمْ يُوزَعُونَ * حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 1921] ٍ .
فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين .
وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له ؛ لذلك نجد السؤال هنا"لمَ"؛ لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم ؛ لأن اليد هي التي امتدت لتسرق ، واللسان هو الذي نطق قول الزور ، والقلب هو الذي حقد ، والساق هي التي مشت إلى المعصية .
والإنسان كما نعلم مركَّب من جوارح ، وهذه الجوارح لها أجهزة تكوِّن الكل الإنساني ، ومدير كل الجسم هو العقل ، فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق ، أو تمتد لتربت على اليتيم ؛ والعين تأخذ أوامرها من العقل ، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون ، وتعتبر بما تراه من أحداث ، أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام .