ولا بد من التنبيه في هذا السياق إلى معنى من أهم المعاني الواردة في هذا الربع، وهذا المعنى هو أن الساحرين لا يفلحون، وأن المفسدين لا يصلحون، وذلك قوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ} وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} ، فالساحر المأجور الذي يباشر عملية السحر، والساحر الذي يستأجره على ذلك للاستعانة بسحره على بلوغ غرض من أغراضه السافلة كلاهما محكوم عليه مسبقا من الله تعالى بالخيبة والخسران، دينا ودنيا، عاجلا أو آجلا: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] . والمفسد الذي يتظاهر بالإصلاح، أو يدعي أن الفساد هو عين الصلاح، لا يستقيم له من الأمر شيء، بل لا بد أن ينقلب به
الحال من سيء إلى أسوأ، اللهم إلا إذا عاد إلى طريق الصلاح الحقيقي، فيصلح الله عمله، ويحقق أمله {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} .
وخُتم هذا الربع بوصف الحالة التي آل إليها فرعون عند الغرق حتى تظل ماثلة في الأذهان، وعبرة لبني الإنسان، فقال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي لا تذهب بعد غرقك مع التيار وتأكلك الحيتان، وإنما تبقى جثتك حجة ناطقة عليك لمن يأتي بعدك في مستقبل الزمان.
والراجح أن فرعون موسى هو رمسيس الثاني من الأسرة التاسعة عشرة، الذي لا تزال جثته محفوظة حتى الآن، وهي معروضة في متحف الآثار بالقاهرة يشاهدها الزائرون {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} . انتهى انتهى {التيسير في أحاديث التفسير، للشيخ/ محمد المكي الناصري. 3/} ...