وكل من كان غنيا امتنع أن يكون له أب وأم، ومن تقدس عن الوالدين تقدس عن الأولاد. وامتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه، والولد عبارة عن انفصال جزء من أجزاء الإنسان. وامتنع أن يكون موصوفا بالشهوة واللذة، فلا صاحبة له ولا ولد. وامتنع من اتخاذ الولد، لعدم احتياجه إلى إعانته على المصالح الحاصلة والمتوقعة.
وكل من كان غنيا كان قديما أزليا باقيا سرمديا، فلا يطرأ عليه الانقراض والانقضاء، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي وينقرض.
وكل من كان غنيا مطلقا كان واجب الوجود لذاته، فلو كان له ولد، لكان ولده مساويا له، أي يصبح واجب الوجود أيضا، وإذا اتصف بهذه الصفة امتنع تولده من غيره، وإذا لم يكن متولدا من غيره لم يكن ولدا.
فثبت أن كونه تعالى غنيا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له.
3 -له ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، فكيف يكون له ولد مما خلق، وكل شيء مملوك له، عبد له؟!.
4 -إن عندكم من سلطان بهذا، أي ليس عندكم من حجة ولا دليل على صحة قولكم، والدعوى العارية من الدليل باطلة بطلانا مطلقا.
5 -أتقولون على الله مالا تعلمون؟ من إثبات الولد له، والولد يقتضي المجانسة والمشابهة، والله تعالى لا يجانس شيئا، ولا يشابه شيئا. وهذا بالإضافة إلى كونه تأكيدا لما سبق إنكار شديد ووعيد أكيد وتقريع وتوبيخ على من تجرأ بنسبة الولد إلى الله تعالى.
وأما ظهور كون هذا المذهب افتراء وكذبا على الله، فواضح مترتب على بطلان الادعاء بثبوت الولد لله تعالى.
وقد دل قوله تعالى: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ على أن إثبات العقيدة لا سيما فيما يتعلق بإثبات الله الصانع يتطلب دليلا قطعيا يقينا، ولا يقبل فيه التقليد والوراثة ومحاكاة عقائد المسلمين المؤمنين بحق. ودل قوله لا يُفْلِحُونَ على إفلاس الكافر وخسارته المحققة يوم القيامة وعدم نجاته من العذاب.