وقال النصرآبادي، وغيره: نهايات الأولياء بدايات الأنبياء عليهم السلام.
ثم النبي أفضل من الولي باتفاق أهل الحق، وغلط من قال: إن الولاية أفضل من النبوة بعد تسليمه أن النبي أفضل من الولي، والمختار أن الأنبياء عليهم السلام هم خواص الأولياء والصالحين بنص القرآن.
قال الله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [سورة الأعراف: 196] .
وقال تعالى: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة الأنبياء: 86] .
وقال تعالى: {نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [سورة الصافات: 112] .
ثم إن الأنبياء عليهم السلام معصومون؛ أي: لا تقع منهم معصية أصلًا، ولا صغيرة في حال النبوة، وما سمي مما وقع منهم خطيئة أو معصية بالنسبة إلى علو مقامهم، وإنما الواقع منهم كان خلاف الأولى بهم، فأطلق عليه المعصية لأن مقامه منزه وحاله شريف، والأولياء رضي الله تعالى عنهم محفوظون؛ أي: لا يصرون على الذنب كما قال الله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران: 135] .
ولكن المختار أن الولي لا يقع منه الذنب على وجه المخالفة والعناد، ولكن على وجه الزلة والخطأ من غير اقتصاد، ولو شاء الله لعصم أولياءه كما عصم أنبياءه، ولكن أراد أن يظهر مزية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليعرف الأولياء وغيرهم حقوقهم فلا يتعدى أحد طَوره، وأن يكون أولياؤه تحت قهره تجري عليهم أقضيته، وهم مُطرقون بين يدي قدرته، ولتنكسر قلوبهم بالزلة فينخفض جناحهم، ويلين جانبهم بين يديه، فيرفعهم حينئذ ويقربهم، ويخلع عليهم خلع التوبة والقبول، فلا يشمخون ولا يعجبون، ويستكينون إليه، ويذلون بين يديه.
وقد قيل لأبي القاسم الجنيد رحمه الله تعالى: أيزني العارف؟
فأطرق مليًا، ثم قال: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [سورة الأحزاب: 38] . نقله القشيري في"الرسالة".
وأنشد في"عيون الأجوبة": من الطويل
وَما كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَرى لِيَ زَلَّةً ... وَلَكِنْ قَضاءُ اللهِ ما مِنْهُ مَهْرَبُ