وكذلك المجانين والأطفال ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن النائم حتى يستيقظ ) . وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث عائشة رضي الله عنها ، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول . ولكن الصبي المميز تصح عباداته ، ويثاب عليها عند جمهور العلماء ، وأما المجنون الذي رفع عنه القلم ، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء ، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات ، بل لا يصلح هو ، عند عامة العقلاء لأمور الدنيا ، كالتجارة والصناعة ، فلا يصح أن يكون بزازاً ولا عطاراً ولا حداداً ولا نجاراً ، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء . فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته ، ولا غير ذلك من أقواله ، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ، ولا ثواب ولا عقاب ، بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالاً معتبرة في مواضع ، بالنص والإجماع ، وفي مواضع فيها نزاع . وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل ، وامتنع أن يكون ولياً لله ، فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله ، لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه ، أو نوعاً من تصرف ، مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع ، فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية ، كالكهان والسحرة وعبَّاد المشركين وأهل الكتاب ، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص ولياً لله ، إن لم يعلم ما يناقض ولاية الله ، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله ؟ مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب إتباع النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً ، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر ، دون الحقيقة الباطنة ، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقاً إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،