والوجه الثاني: في الجواب أن نجعل كلمة {إِلا} في قوله: {إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ} استثناء منقطعاً لكن بمعنى هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب"النظم"عنه جواباً آخر فقال: قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِى السماء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ} ههنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر، وهو قوله: {إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ} أي وهو أيضاً في كتاب مبين.
قال: والعرب تضع"إلا"موضع"واو النسق"كثيراً على معنى الابتداء، كقوله تعالى: {لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون إَلاَّ مَن ظَلَمَ} [النمل: 10] يعني ومن ظلم.
وقوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ} [البقرة: 150] يعني والذين ظلموا، وهذا الوجه في غاية التعسف.
وأجاب صاحب"الكشاف": بوجه رابع فقال: الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ} على قوله: {مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِى السماء} إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل، لكنا لا نقول ذلك، بل نقول: الوجه في القراءة بالنصب في قوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك} الحمل على نفي الجنس وفي القراءة بالرفع الحمل على الابتداء، وخبره قوله: {فِى كتاب مُّبِينٍ} وهذا الوجه اختيار الزجاج. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 17 صـ 97 - 101}