فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها. وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه. وإنما قال: {ولكن الناس أنفسهم يظلمون} لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب. والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري ، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة. ثم ذكر وعيد الكفار فقال: {ويوم يحشرهم} أي واذكر يوم يحشرهم {كأن لم يلبثوا} في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث {إلا ساعة} وقوله {يتعارفون} إما حال أخرى أو بيان لقوله: {كأن لم يلبثوا} لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد. ويجوز أن يكون قوله: {ويوم يحشرهم} متعلقاً ب {يتعارفون} والمراد باللبث. قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة ، أو لطول وقوفهم في الحشر ، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها. وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته. والجمع بين ذلك وبين قوله: {ولا يسأل حميم حميماً} [المعارج: 10] أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا ، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة. وإنما حذف"جميعاً"في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا} [الأنعام: 22] ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: {جميعاً} ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم. قوله: {قد خسر} استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم! وفيه شهادة من الله على خسرانهم. وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين