وبعض الناس قد حرَّم على نفسه أشياء حلَّلها الله تعالى ، وهم بذلك يُضيّقون على أنفسهم ، ويظن البعض أنه حين يحلّل ما حرَّم الله أنه يوسِّع على نفسه ، فيأمر الحق سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم أن يقول:
{أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ} [يونس: 59] .
أي: أخبِروني ما أنزل الله لكم من رزق ، وهو كل ما تنتفعون به ، إما مباشرةً ، وإما بالوسائط ، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم ، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بيَّن لكم الحلال والحرام؟!
وكلمة {أَنزَلَ} تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى ، وكل ما ترونه حولكم هو رزق ، تنتفعون به مباشرة ، أو بشكل غير مباشر ، فالمال الذي تُشترى به أغلب الأرزاق لا يأكله الإنسان ، بل يشتري به ما يأكله .
وكلمة {أَنزَلَ} تعني: أوْجَدَ ، وخلق مِنْ أعلى ، وما دام كل شيء قد وُجد بمشيئة مَنْ هو أعلى من كل الوجود ، فكل شيء لصالحك مباشرة أو بوسائط .
ولا تأخذ كلمة {أَنزَلَ} من جهة العلوّ الحسية ، بل خُذها من جهة العلوِّ المعنوية ، فالمطر مثلاً ينزل من أعلى حسيّاً ، ويختلط بالأرض فيأخذ النبات غذاءه منها ، والرزق بالمطر ومن الأرض مُقدَّر ممّن خَلَق ، وهو الأعلى سبحانه .
وقد قال الحق سبحانه:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] .
نعم ، فقد أنزل الحق سبحانه منهجه على الرسل عليهم السلام لتصلح حياة الناس ، وأنزل الحديد أيضاً ، هذا الذي نستخرجه من الجبال ومن الأرض .
إذن: فالمراد هنا بالإنزال ، أي: الإيجاد ممن هو أعلى منك لصالحك أيها الإنسان .